الشيخ الأميني
27
الغدير
حادث شوه صحايف التأليف هناك فكرة غير صالحة ، وإن شئت قلت : بدعة سيئة فتحت على الأمة باب التقول بمصراعيه ، وعنها تتشعب شجنة الإفك في الحديث ، وينبعث القول المزور : وإليها يستند كل بهرجة وسفسطة . ألا وهي : هذه الخطة الحديثة في التأليف ، واتخاذ هذا الأسلوب الحديث الذي يروق بسطاء الأمة ويسمونه تحليلا ، ويرونه حسنا في الكتابة . هذه الفكرة هي التي خفت بها وطأة التأليف ، وطأة حزونته ، وكثر بذلك المؤلفون فجاء لفيف من الناس يؤلف وكل منهم سلك وادي تضلل ( 1 ) ولا يخفق على جرته ( 2 ) ويرمي القول على عواهنه ، وينشر في الملأ ما ليس للمجتمع فيه درك ، فيتحكم في آراءه ، ويكذب في حديثه ، ويخون في نقله ، ويحرف الكلم عن مواضعه ، ويقذف من خالف نحلته ، وينسبه إلى ما شائه هواه ، ويسلقه بالبذاء ، ولا يكفف عنه لغبه . هذه الفكرة هي التي جرت على الأمة شية العار ، ووصمة الشنار ، ورمتها بثالثة الأثافي ، ومدت يد الفحشاء على التأليف ، وأبدت في صفحاته وصمات سوء ، فراح شرف الاسلام ، وأدب الدين ، وأمانة النقل ، ومكانة الصدق ، ضحية الميول والشهوات ، ضحية الأهواء والنزعات الباطلة ، ضحية الأقلام المستأجرة . هذه الفكرة هي التي شوهت وجه التأليف ، وجنت بها الأقلام ، وولدت في القلوب ضغاين ، فجاء المفسر يأول القرآن برأيه ، والمحدث يختلق حديثا يوافق ذوقه ، والمتكلم يذكر فرقا مفتعلة ، والفقيه يفتي بما يحبذه ، والمؤرخ يضع في التاريخ ما يرتضيه ، كل ذلك قولا بلا دليل ، وتحكما بلا بينة ، وتكلما بلا مأخذ ، ودعوى بلا برهان ، وتقولا بلا مصدر ، وكذبا بلا مبالاة ، وإفكا بلا تحاشي ، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون .
--> ( 1 ) مثل يضرب لمن عمل شيئا فأخطأ فيه . ( 2 ) مثل يضرب لمن يعجز عن كتمان ما في نفسه .